
ما بعد أزمة هرمز: خيارات دول الخليج لتأمين صادراتها النفطية وتجاوز تهديدات المضيق
مضيق هرمز في مواجهة الأزمة: هل تملك دول الخليج بدائل حقيقية؟
مع توقف مئات الناقلات على طرفي مضيق هرمز في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بات السؤال الاستراتيجي الأكثر إلحاحاً: هل تمتلك دول المنطقة مخرجاً حقيقياً بعيداً عن هذا الممر الحيوي؟ الإجابة، كما تكشفها المعطيات، ليست في غياب البدائل، بل في تفاوتها الكبير بين دولة وأخرى.
تتصدر المملكة العربية السعودية والإمارات قائمة الدول الأكثر استعداداً، بفضل امتلاكهما خطوط أنابيب استراتيجية تتيح تصدير النفط عبر مسارات بديلة. في المقابل، تبقى خيارات قطر والكويت والبحرين أكثر ضيقاً، لا سيما فيما يخص صادرات الغاز الطبيعي المسال.
لماذا يُعدّ هرمز شرياناً لا غنى عنه؟
يقع مضيق هرمز بين السواحل الإيرانية شمالاً ومحافظة مسندم العُمانية جنوباً، ويربط الخليج ببحر عُمان والمحيط الهندي. تمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يومياً، أي ما يعادل خُمس الإمدادات النفطية العالمية، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
تتجه غالبية هذه الإمدادات نحو آسيا، إذ تستحوذ الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وحدها على نحو 69% من تدفقات الخام عبر المضيق. وأي تعطل طويل لا يضرب المنتجين فحسب، بل يهدد بقفزات حادة في أسعار النفط وأقساط التأمين والشحن.
الإمارات والسعودية: الأكثر استعداداً
تمتلك الإمارات خط أنابيب “حبشان-الفجيرة” الذي ينقل النفط من حقول أبوظبي البرية إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، خارج نطاق هرمز مباشرةً، بطاقة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً، مما يتيح تصدير نحو 70% من خامها دون المرور بالمضيق. ويُجسّد هذا الخط نموذجاً للتخطيط الاستراتيجي الاستباقي الذي تتميز به أبوظبي.
أما المملكة العربية السعودية، فتعتمد على خط الأنابيب “شرق-غرب” المعروف بـ”بترولاين”، الممتد 1200 كيلومتر من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وقد استعادت المملكة طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً، بعد أن كان يضخ مليون برميل فقط قبيل الأزمة، وفق ما أفاد به محلل أسواق الطاقة بشار الحلبي للجزيرة. ويُكمل خط “سوميد” المصري هذه المنظومة بنقل الخام من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط.
العراق: إمكانات واعدة تنتظر التنفيذ
يتجه العراق غرباً بدوره، مستنداً إلى خط كركوك-جيهان نحو تركيا بطاقة 1.6 مليون برميل، وإن كان لا ينقل حالياً سوى نحو 200 ألف برميل يومياً. وقد أطلقت بغداد مناقصة لخط البصرة-حديثة بطول 685 كيلومتراً وكلفة تبلغ نحو 4 مليارات يورو وطاقة تصل إلى 3 ملايين برميل، مع إمكانية تمديده لاحقاً إلى ميناء العقبة الأردني.
غير أن هذه المشاريع تحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة قبل أن تتحول إلى بديل فعلي وقت الأزمات.
قطر والكويت والبحرين: الحلقة الأضعف
هنا يتجلى جوهر التفاوت الإقليمي؛ إذ لا تمتلك الكويت والبحرين وقطر منافذ تصدير بحرية بديلة خارج الخليج، وتمر معظم صادراتها عبر هرمز حصراً. وقد تضطر هذه الدول إلى التنسيق مع السعودية أو العراق عبر خطوط طويلة ومفاوضات معقدة.
وتزداد معضلة الغاز الطبيعي المسال تعقيداً، إذ تمر جميع صادرات قطر تقريباً عبر هرمز دون مسار بديل مماثل. وأوضحت خبيرة الطاقة لوري هايتايان للجزيرة أن أي تعطل سريع الانعكاس على أسعار الغاز عالمياً، نظراً لأن الغاز المسال يحتاج إلى سلسلة متكاملة من محطات التسييل والناقلات المتخصصة ومحطات الاستقبال.
لماذا لا تكفي البدائل المتاحة؟
على الورق، تبدو الطاقة التصميمية للخطوط البديلة كبيرة، لكنها تتآكل عند كل خطوة نحو الواقع. فالطاقة المجمعة لهذه الخطوط لا تتجاوز 9 ملايين برميل يومياً مقابل 20 مليوناً تمر عبر المضيق، فيما يُقدّر الخبير النفطي عاصم جهاد أن الخطين السعودي والإماراتي لا يؤمنان سوى نحو الثلث.
والمتاح فعلياً في ظروف التوتر قد لا يتجاوز 2.6 مليون برميل يومياً، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، لأن الخطوط لا تعمل بكامل طاقتها وتتقيد بحاجات المصافي المحلية وطاقة الموانئ واشتراطات التأمين.
الخطوط البديلة ليست بمنأى عن الخطر
حتى الخطوط القائمة ليست حلاً آمناً بالكامل، فهي أهداف ثابتة ومرتفعة القيمة عسكرياً واقتصادياً، كما يؤكد المحلل جورج فولوشين للجزيرة. وقد ضربت مسيّرات جماعة الحوثيين محطات ضخ على الخط السعودي عام 2019، فيما عطّلت هجمات على الفجيرة عمليات التحميل في مارس الماضي.
والأخطر من ذلك أن مخرج البحر الأحمر يمر بدوره عبر مضيق باب المندب المهدد، مما يعني أن تجاوز هرمز قد ينقل جزءاً من المخاطر إلى ممرات أخرى دون أن يلغيها كلياً.
فرص ما بعد الأزمة: رهان على البنية التحتية
رغم هذه التحديات، فتحت الأزمة الباب أمام مشاريع طموحة. وتدرس السعودية والإمارات ودول أخرى مد خطوط موازية وتوسيع محطات التصدير على سواحل بديلة، وفقاً لصحيفة “فايننشال تايمز”. كما يُخطَط لإنشاء شبكة سكك حديدية بطول 2100 كيلومتر لربط دول مجلس التعاون الخليجي الست بحلول عام 2030.
وعلى المستوى الاستراتيجي، قدّم المجلس الأطلسي تصوراً يعالج أمن الطاقة في الخليج بوصفه “مشروع بنية تحتية” شاملاً، يدعو إلى بناء شبكة متكاملة من خطوط الأنابيب والموانئ ومسارات التصدير تربط الخليج بأوروبا والولايات المتحدة، بحيث يصبح أمن الطاقة مشروعاً مشتركاً لا مجرد اعتماد على ممر واحد.
وتتقاطع هذه الرؤية مع الموقف الأوروبي، إذ أكد المتحدث باسم الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو أن الهدف الأبرز لمرحلة ما بعد الأزمة هو إيجاد بدائل وبنى تحتية تقلل الاعتماد على المضيق، في إطار أوسع لأمن الطاقة العالمي.




