
أمريكا والصين: تنافس استراتيجي شامل أم مسار نحو المواجهة؟
أمريكا والصين: تنافس استراتيجي شامل أم مسار نحو المواجهة؟
تتخطى العلاقة بين الولايات المتحدة والصين حدود الخلافات التجارية لتبلغ مستوى المنافسة الجيوسياسية الشاملة، في ظل تصاعد متواصل يجمع بين التنافس الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري. ويبقى السؤال الجوهري قائماً: هل ستصطدم القوة الصاعدة حتماً بالقوة المهيمنة، أم يجد الطرفان سبيلاً للتعايش في عالم متشابك المصالح؟
الخشية الأمريكية من الصين: موقف مؤسسي لا ترامبي
يؤكد الدكتور أسامة أبو إرشيد، الخبير في الشأن الأمريكي، أن الخشية من الصين ليست حكراً على الرئيس دونالد ترامب، بل هي موقف مؤسسي راسخ يعتبر بكين “الخصم الجيوسياسي الأبرز” الذي يمتلك النية والقدرة على استبدال الهيمنة الأمريكية عالمياً، وفق وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2022.
وتستند هذه المخاوف إلى معطيات اقتصادية ملموسة؛ إذ باتت القوة الشرائية الصينية تعادل نحو 41 تريليون دولار مقابل 19 تريليوناً للولايات المتحدة. ووصف وزير الدفاع الأمريكي الأسبق لويد أوستن هذه الظاهرة بـ“تآكل الميزة التنافسية الأمريكية”، مشيراً إلى أن كل مشروع يكلف أمريكا 20 دولاراً لا يكلف الصين سوى دولار واحد.
يُضاف إلى ذلك تفوق الصين عددياً في القطع البحرية، رغم تخلفها النوعي، فضلاً عن احتكارها المعادن النادرة الضرورية للصناعات والتقنيات المتقدمة.
الصين: تنمية لا هيمنة؟
في المقابل، يرفض المحلل السياسي رونغ هوان، المعروف بـ”نادر”، هذه القراءة جملةً وتفصيلاً، مؤكداً أن الصين لا تمتلك النية في أن تحل محل أمريكا في قيادة العالم، وأن هدفها الأساسي تحسين مستوى معيشة شعبها وتحقيق التنمية المستدامة.
ويستشهد بأن الصين باتت أكبر مساهم في تمويل الأمم المتحدة وأكبر مُرسِل للقوات في عمليات حفظ السلام، في دلالة على التزامها بالنظام الدولي متعدد الأطراف.
طموح أعمق من المعلن
يتفق الدكتور خير ذيابات، الخبير في السياسة الخارجية الصينية، مع نفي نية المواجهة، غير أنه يرى أن طموح الصين في عهد الرئيس شي جين بينغ أعمق مما يُعلَن عنه، إذ يستحضر إرث “مملكة الوسط” التاريخية ويسعى لاستعادة مكانة بكين مركزاً حضارياً عالمياً.
ويلفت ذيابات إلى أن الصين تُتقن “المشي على الحبال”، فتركز على بناء قوتها الاقتصادية والتكنولوجية، بدلاً من الانزلاق إلى مستنقعات التورط العسكري الخارجي الذي استنزف القوة الأمريكية لعقود.
“فخ ترامب”: فراغ استراتيجي تملأه الصين
تناول الخبراء ما وصفه أبو إرشيد بـ“فخ ترامب”، حيث تخلق سياسات الرئيس الأمريكي المخالفة للأعراف الدولية فراغاً استراتيجياً تسارع الصين إلى ملئه. ويتجلى ذلك في ثلاثة محاور رئيسية:
المواجهة العسكرية: سيناريو مستبعد
خلص الخبراء إلى أن المواجهة العسكرية المباشرة تبقى سيناريو مستبعداً، ليس لانعدام الدوافع، بل بسبب تشابك مصالح تجارية تبلغ 650 مليار دولار سنوياً، إلى جانب توازن نووي يُشل أي قوة هجومية.
ويرجح المحللون أن تستمر العلاقة بين القوتين على نمط المد والجزر، في انتظار اللحظة التي ترسم فيها الصين أفقها الاستراتيجي بعيد المدى بصورة أكثر وضوحاً.




