
وثائق السابع من أكتوبر: كيف تحوّل الرهان على “وحدة الساحات” إلى وهم استراتيجي؟
كشفت وثائق سرية مسرّبة عن تفاصيل غير مسبوقة تتعلق بطبيعة العلاقة بين حركة حماس والمحور الإيراني، وسلّطت الضوء على مسار طويل من التنسيق السياسي والعسكري امتدّ لسنوات، كان هدفه الإعداد لمواجهة متعددة الجبهات ضد إسرائيل تُشعل المنطقة من أقصاها إلى أقصاها. غير أن ما جرى على أرض الواقع بعد السابع من أكتوبر كشف عن فجوة عميقة بين الطموح الاستراتيجي والقدرة الفعلية على التنفيذ.
يرى الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي، في تحليل أدلى به لـ”سكاي نيوز عربية”، أن الوثائق المتداولة تعزز فرضية مفادها أن هجوم أكتوبر لم يكن مبادرة منفردة من حماس، بل كان حلقةً في مشروع أوسع أسهمت فيه إيران وأذرعها الإقليمية، بهدف تعطيل مسارات التطبيع التي كانت تقترب من الاكتمال في المنطقة. ويؤكد العزاوي أن يحيى السنوار لم يكن ليُقدم على عملية بهذا الحجم دون الاعتقاد بأن ما يُعرف بـ”وحدة الساحات” سيُحرّك مختلف أذرع إيران نحو مواجهة شاملة تُغير قواعد الاشتباك في المنطقة بأسرها.
وفي هذا السياق، يُشير العزاوي إلى أن قطاع غزة جرى توظيفه باعتباره الساحة الأكثر قدرة على إشعال فتيل المواجهة الإقليمية، والأقل تأثيراً في الوقت ذاته على البنية الهيكلية للمحور. كان الرهان يقوم على تفعيل الأذرع المنتشرة في العراق واليمن ولبنان لفرض معادلات جيوسياسية جديدة تُربك الغرب وتُعيد رسم خريطة النفوذ. لكن الحسابات أخطأت في تقدير متغير جوهري واحد: حجم التحول الذي أصاب العقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد الصدمة الأمنية الكبرى.
فقد تراجع الاعتماد الإسرائيلي على مفاهيم الردع التقليدية القائمة على الإنذار المبكر والحسم السريع، وحلّ محلها نهج أكثر شراسة وأقل قيوداً، وهو متغير لم يكن ضمن حسابات القائمين على العملية. وبذلك، أسهم السابع من أكتوبر، بصورة مفارقة، في تغيير البيئة الاستراتيجية، لكن ليس في الاتجاه الذي توقعه منفّذوه.
ويذهب العزاوي إلى أن الحرب أثبتت عملياً أن مفهوم “وحدة الساحات” لم يكن سوى “وهم عملياتي” بامتياز. فالأذرع الإيرانية المنتشرة في دول عدة لا تمتلك قرار الحرب أو السلم بصورة مستقلة، وإنما تقتصر مهمتها على تنفيذ أدوات القوة في إطار الاستراتيجية الإيرانية الأشمل. ويُجسّد حزب الله هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ يصفه العزاوي بأنه ليس مجرد فصيل لبناني، بل امتداد حقيقي لفيلق القدس، وواجهة لإدارة الحرب السرية الإيرانية وشبكات النفوذ العابرة للحدود.
والأكثر دلالةً أن السنوار راهن على تدخل مباشر من محور المقاومة، فلم يحصل إلا على إسناد محدود وغير مباشر من حزب الله. أما إيران نفسها، فلم تُطلق صاروخاً واحداً دعماً لغزة، ولم تربط مفاوضاتها مع واشنطن بوقف الحرب أو تقديم دعم إنساني مباشر للقطاع. وهذا يكشف، وفق العزاوي، أن طهران باتت تستخدم أذرعها أوراقاً تفاوضية لحماية نظامها والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، لا أدواتٍ للانتصار لحلفائها حين تشتد عليهم الضغوط.
وتتضح هشاشة المحور الإيراني أكثر حين ننظر إلى ما فقدته طهران من مرتكزات خارجية خلال المرحلة الأخيرة. يأتي في مقدمة ذلك سقوط النظام السوري، الذي كان يُشكّل، بحسب العزاوي، قاعدة الارتكاز الاستراتيجية الأهم للمشروع الإيراني في المنطقة، وهو ما أولته قيادات الحرس الثوري أهمية قصوى لسنوات. كما تُسهم التفاهمات الجارية في لبنان برعاية أميركية في استنزاف قدرات حزب الله تدريجياً، فيما تؤكد التقارير استمرار إدارة الحرس الثوري لمسار الحزب بصورة مباشرة، مما يُفقده هامش المناورة المستقل.
وفي المحصلة، يخلص العزاوي إلى أن هذه التطورات المتراكمة دفعت إيران نحو الانكماش الداخلي، في ظل تصاعد التحديات الاقتصادية والاجتماعية في الداخل، وتراجع قدرة الحرس الثوري على إدارة أذرعه الإقليمية تحت وطأة الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة. ويزيد من تعقيد المشهد أن عدداً من الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج، أدرجت هذه الفصائل على قوائم الإرهاب بعد أن استهدفتها مباشرة خلال الحرب، مما يُضيّق الخناق على المنظومة الإيرانية ويُقلّص نفوذها في محيطها الجغرافي الذي طالما اعتبرته ساحة نفوذ حصرية.




