هجوم أربيل بالمسيّرات: من يستهدف كردستان ولماذا الآن؟

ما الذي جرى في أربيل؟

في خطوة استفزازية تجاوزت حدود المألوف، استهدفت طائرتان مسيّرتان من طراز “حديد 110” المكتبَ الشخصي لرئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني ومقرَّ إقامته، فضلاً عن مقر مدير وكالة الأمن في أربيل، وذلك في ضربة موزونة التوقيت تحمل دلالات تتخطى بكثير مجرد العمل العسكري الميداني. أشعل الهجوم موجة إدانات عراقية وكردية وأمريكية واسعة، وسط مطالبات متصاعدة بالكشف عن الجهات المنفِّذة. نفت طهران أي تورط لها، واصفةً ما جرى بأنه “تطور مشبوه بشدة يستدعي الاهتمام الدقيق”، وهي صياغة دبلوماسية لافتة تزيد من غموض المشهد بدلاً من أن تبدده.

لماذا يُعدّ التوقيت بالغ الأهمية؟

لا يمكن فصل هذا الهجوم عن السياق الإقليمي المتوتر الذي يحيط به. يأتي الاستهداف في خضم تصاعد حدة التوتر بين واشنطن وطهران، وبالتوازي مع جهود دبلوماسية حثيثة تسعى إلى فتح قنوات حوار وإنهاء الصراعات القائمة، بما فيها النقاشات المتعلقة بمضيق هرمز. ويضطلع نيجيرفان بارزاني بدور وساطة نشط بين الأطراف المعنية، وهو ما يجعل استهداف المؤسسات القيادية والأمنية لإقليم كردستان في هذا الظرف بالذات رسالةً سياسية مدروسة لا عملاً عشوائياً. الضربة الموجهة نحو قلب مؤسسة الحكم الكردية تحمل بُعداً تحذيرياً واضحاً يتجاوز الأضرار المادية.

ماذا طالبت بغداد من طهران؟

تحركت وزارة الخارجية العراقية بسرعة، إذ طالبت الحكومة الإيرانية بتقديم توضيح رسمي بشأن الهجوم، واصفةً إياه بأنه “تصعيد خطير ستكون له تداعيات سلبية على أمن العراق واستقرار المنطقة”. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي مباشر بين وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ونظيره الإيراني عباس عراقجي. وشدّد حسين على نقطة جوهرية: الاستهدافات السابقة كانت تُبرَّر إيرانياً بوجود أحزاب معارضة كردية إيرانية في الإقليم، أما هذه المرة فقد طالت الضربة مباشرةً مقر رئيس الحكومة، ما يجعلها وفق وصفه “سابقة خطيرة” ترفع منسوب التوتر إلى مستوى غير مسبوق.

ما الرسائل السياسية التي يحملها الهجوم؟

يرى الباحث والناشط السياسي إسلام زيباري أن هذا الهجوم ليس الأول من نوعه؛ فمكاتب كلٍّ من مسعود بارزاني ونيجيرفان بارزاني سبق أن تعرضت لضربات مماثلة بالطائرات المسيّرة. غير أن الهجوم الأخير يبدو أكثر صراحةً في دلالاته وأعمق في رمزيته. يحدد زيباري ثلاث رسائل محتملة تقف وراء هذا الاستهداف:

اختيار توقيت الضربة لا يبدو اعتباطياً. استهداف مؤسسة أمنية بالغة الحساسية في خضم مساعٍ دبلوماسية نشطة يحمل رسالة مزدوجة: إنها رسالة لأربيل بأن ثمن الانحياز مرتفع، ورسالة لبغداد بأن السيادة العراقية على أجوائها تظل محل اختبار.

كيف يبدو الواقع الدفاعي لإقليم كردستان؟

يكشف زيباري عن ثغرة دفاعية بنيوية: إقليم كردستان لا يمتلك في الوقت الراهن منظومة دفاع جوي مستقلة قادرة على التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة من خارج حدوده. يعتمد الإقليم اعتماداً كبيراً على المنظومات الدفاعية التي توفرها القوات الأمريكية والتحالف الدولي، وهي منظومات لا تغطي المجال الجوي الكردي بالكامل، بل تنصبّ أولويتها على حماية القوات والمنشآت الأمريكية والأصول التابعة للتحالف. هذا التمييز جوهري وله تداعيات استراتيجية بعيدة المدى.

ماذا يعني انسحاب التحالف؟

مع اقتراب موعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، تبرز تساؤلات وجودية حول مرحلة ما بعد الانسحاب. هل سيُفضي رحيل القوات الأمريكية إلى إزالة الذرائع التي تتذرع بها إيران والفصائل المقربة منها لتبرير استهداف الإقليم؟ أم أن هذه الهجمات ستتواصل مدفوعةً بملفات أمنية وسياسية عالقة لا تنتهي بمجرد انسحاب عسكري؟ الإجابة تعتمد على مدى نجاح الإقليم في بناء قدراته الدفاعية الذاتية وإدارة ملفاته الحساسة قبل أن تُسدَل الستارة على الوجود الأمريكي.

ما دور ملف الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة؟

يقع ملف الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة المتمركزة في إقليم كردستان في صميم التوتر المتراكم. تنظر طهران إلى استمرار وجود هذه الأحزاب باعتباره مصدر تهديد أمني مباشر، ولا سيما في ظل مخاوفها من احتمال توظيف أراضي الإقليم في أي تحرك أمريكي أو إسرائيلي ضدها. في المقابل، تؤكد هذه الأحزاب التزامها بالاتفاق الأمني المبرم بين العراق وإيران. وتعمل أربيل وبغداد بالتنسيق مع طهران على معالجة هذا الملف من خلال ترتيبات أمنية وسياسية، وثمة لجان وآليات مشتركة تجمع الأطراف الثلاثة لبحث هذه القضية.

يحذر زيباري من أن استمرار هذه التوترات سيضع حكومة الإقليم أمام ضغوط متصاعدة من بغداد وطهران معاً لحسم هذا الملف، ويجعل تكثيف الحوار السياسي والأمني ضرورة لا خياراً، تفادياً لتحول الإقليم إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ما الخطوات العملية لتعزيز أمن الإقليم؟

يحدد المحلل جملةً من الإجراءات الملموسة التي يمكن لإقليم كردستان اتخاذها بالتنسيق الوثيق مع الحكومة الاتحادية في بغداد، للحدّ من احتمالات تكرار مثل هذه الهجمات وتقليص هشاشته الأمنية. الخطوة الأولى هي تعزيز التنسيق الأمني والسياسي مع بغداد، وإيصال رسالة واضحة وموثوقة إلى طهران مفادها أن إقليم كردستان يختار سياسة عدم التدخل في الصراعات الإقليمية وعدم السماح باستخدام أراضيه منصةً لأي اعتداء على دول الجوار. الشفافية في هذا الموقف تُقلص مساحة التبرير المتاحة لأي طرف.

تطوير القدرات الدفاعية الذاتية

يؤكد زيباري بوضوح أن الاعتماد على الدعم الخارجي وحده لا يوفر ضمانة أمنية دائمة. يحتاج الإقليم إلى بناء قدراته الذاتية في مجالات الإنذار المبكر والدفاع الجوي وحماية المنشآت الحيوية، وذلك بالتنسيق مع بغداد التي تتحمل المسؤولية الدستورية الأولى عن حماية السيادة العراقية والمجال الجوي. في الوقت نفسه، يشدد على ضرورة الإسراع في معالجة ملف الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة ضمن الأطر القانونية والدستورية العراقية، بما يحفظ أمن الإقليم ومصالحه دون تنازل عن المبادئ. الحل العسكري وحده لن يُنهي هذه التهديدات؛ فما دامت الملفات السياسية والأمنية العالقة لم تُحسم، ستظل الهجمات تجد لها ذريعة ومسوّغاً.