رسوم الحوثيين على باب المندب: هل يتحوّل أحد أهم ممرات الطاقة العالمية إلى بوابة ابتزاز؟

ما الذي يخطط له الحوثيون فعلاً؟

كشفت وكالة رويترز، نقلاً عن مصادر إقليمية مطلعة لم تُسمِّها، أن جماعة الحوثيين تدرس فرض رسوم على معظم السفن التجارية العابرة عبر جنوب البحر الأحمر. لم تُحدَّد قيمة هذه الرسوم حتى الآن، ولم يُعلَن عن موعد تطبيقها، ولم يصدر عن الجماعة أي قرار رسمي في هذا الشأن. غير أن المصادر ذاتها أشارت إلى أن مسؤولين حوثيين ناقشوا الخطة مع نظرائهم الإيرانيين خلال زيارة إلى طهران في يوليو 2025، مع احتمال إعفاء السفن الصينية من هذه الرسوم.

الخطورة الحقيقية لا تكمن في رقم لم يُحسم بعد. إنها تكمن في المبدأ ذاته: تحويل مضيق باب المندب — أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية — إلى ممر مشروط بالدفع والهوية السياسية، في لحظة تعاني فيها حركة النفط عبر مضيق هرمز اضطراباً حاداً في الوقت ذاته.

كيف تعكس أسعار النفط هذا التهديد؟

قفزت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 7.33% إلى 90.25 دولاراً للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 6.81% إلى 84.65 دولاراً. لا تعكس هذه الأرقام احتمال الرسوم وحده؛ إذ جاءت القفزة مصحوبةً باستئناف الضربات العسكرية في المنطقة، وتصاعد التهديدات للملاحة عبر هرمز، وتراجع مخزونات الخام الأمريكية بمقدار 7.2 ملايين برميل إلى 404.5 ملايين برميل — وهو أدنى مستوى منذ عام 2018 وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

لكن خطة الرسوم تُضيف مصدر قلق مستقلاً إلى هذا المشهد. التسعير في أسواق النفط لا يتوقف عند حجم الإمدادات التي قد تتعطل فعلياً، بل يشمل احتمالات التأخير وكلفة استئجار الناقلات وأقساط التأمين ومدى قدرة المنتجين على الوفاء بمواعيد التسليم. نقل محلل بنك “دي بي إس” سوفرو ساركار عن رويترز توقعه بأن يتذبذب خام برنت في نطاق 80 إلى 100 دولار للبرميل على المدى القريب، بسبب استمرار عدم الاستقرار في المنطقة.

ما حجم النفط الذي يعبر باب المندب؟

تُظهر أحدث البيانات الفصلية لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن نحو 5.4 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية عبرت باب المندب خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنةً بنحو 3.7 ملايين برميل يومياً في الربع ذاته من عام 2025، أي بزيادة تقارب 46%. وتوزعت هذه التدفقات بين 3.2 ملايين برميل يومياً من الخام والمكثفات، و2.2 مليون برميل من المنتجات النفطية، إلى جانب 2.9 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي المسال.

تكشف هذه الأرقام أن أهمية المضيق عادت إلى الارتفاع بعد الانخفاض الحاد الذي أعقب هجمات البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023، حين تراجعت تدفقات النفط من 9.3 ملايين برميل يومياً في عام 2023 إلى 4.1 ملايين في عام 2024، قبل أن تبدأ مسار تعافٍ تدريجي.

ما العلاقة بين هرمز وباب المندب؟

تبرز أهمية باب المندب بصورة خاصة في سياق صادرات النفط السعودية المتجهة إلى آسيا. الرحلة من ينبع إلى الأسواق الآسيوية عبر المضيق تستغرق نحو 16 يوماً في المتوسط، بينما قد تمتد إلى 50 يوماً إذا اضطرت السفن إلى سلوك المسار البديل عبر قناة السويس ثم الالتفاف حول أفريقيا.

في مواجهة تصاعد الأخطار الأمنية في البحر الأحمر، توسّعت المملكة العربية السعودية في الاعتماد على ميناء سيدي كرير المصري المطل على البحر المتوسط، ليوفر منفذاً بديلاً للشحنات المتجهة إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية. كما أعلنت أرامكو السعودية أن خط أنابيب شرق-غرب بلغ طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً خلال الربع الأول من العام الجاري، ناقلاً الخام من حقول الشرق إلى موانئ الساحل الغربي، مما أسهم في تخفيف أثر اضطراب الملاحة عبر هرمز.

غير أن وصول النفط إلى البحر الأحمر لا ينهي مشكلة النقل. الشحنات المتجهة جنوباً من الموانئ السعودية تحتاج حتماً إلى عبور باب المندب للوصول إلى المحيط الهندي وآسيا. وإذا أُعفيت السفن الصينية من الرسوم المحتملة، فإن المشترين الصينيين سيحوزون ميزة تنافسية في كلفة تسلم النفط، في حين تتحمل الأسواق الأخرى علاوة إضافية.

لماذا دفع الرسوم ليس حلاً بسيطاً؟

حتى لو كانت الرسوم المقترحة محدودة القيمة، فإن أثرها الاقتصادي قد يتجاوز قيمتها المباشرة بمراحل. دفعها لا يعني بالضرورة زوال المخاطر الأمنية التي تحدد على أساسها شركات التأمين أسعار التغطية. والأخطر من ذلك أن تحويل الأموال إلى جماعة مدرجة على قوائم العقوبات قد يُعرّض شركات الشحن والمؤسسات المالية لمخاطر قانونية جسيمة.

تصنّف الولايات المتحدة الحوثيين منظمةً إرهابية أجنبية منذ مارس 2025. وتؤكد وزارة الخزانة الأمريكية أن تقديم أموال أو سلع أو خدمات إلى الجماعة أو لمصلحتها قد يُعرّض الأفراد والمؤسسات المرتبطة بالنظام المالي الأمريكي لعقوبات مدنية أو جنائية.

تصطدم الخطة أيضاً بالقواعد الدولية المنظِّمة للمضائق. أكد الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية في أبريل 2026 أنه لا أساس قانونياً لفرض رسوم أو شروط تمييزية على السفن العابرة للمضائق المستخدمة في الملاحة الدولية، مشدداً على أن حرية الملاحة “غير قابلة للتفاوض”. وكان مجلس الأمن الدولي قد أكد في القرار 2722 أن عبور السفن التجارية باب المندب والبحر الأحمر يجب أن يستمر دون عوائق، محذراً من التداعيات الاقتصادية والإنسانية العالمية لارتفاع تكلفة نقل السلع الأساسية.

ستنظر شركات الشحن إلى هذه الرسوم باعتبارها مدفوعات مقابل تجنب الهجوم، لا رسوماً ملاحية مشروعة على غرار رسوم قناة السويس التي تقدم خدمات إرشاد وعبور داخل ممر تديره دولة معترف بها. وسبق أن أشار تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن عام 2024 إلى مزاعم بتحصيل الحوثيين رسوماً مقابل المرور الآمن قُدّرت بنحو 180 مليون دولار شهرياً، مع الإشارة إلى عدم التمكن من التحقق من هذه المعلومات بصورة مستقلة.

ماذا حدث للتجارة العالمية في الأزمة السابقة؟

تمنح أزمة البحر الأحمر في عام 2024 مؤشراً واضحاً على ما قد يترتب على رفض شركات الشحن دفع الرسوم أو عدم اطمئنانها إلى سلامة المرور. وجد البنك الدولي أن تحويل السفن حول رأس الرجاء الصالح في الأشهر الأولى من تلك الأزمة رفع المسافات التي تقطعها سفن البضائع بما يصل إلى 53%، والناقلات بنحو 28%، كما زاد زمن الرحلات بما يصل إلى 51% للبضائع و39% للناقلات.

قفز مؤشر تكلفة شحن الحاويات العالمي بنحو 170% بين نوفمبر 2023 ويناير 2024، فيما بلغت أقساط مخاطر الحرب على بعض السفن العابرة قرب اليمن نحو 2% من قيمة السفينة. وأشار البنك الدولي إلى أن تضاعف تكاليف الشحن يمكن أن يضيف في المتوسط نحو 0.7 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي، مع أثر أشد وطأة في الدول المنخفضة الدخل والجزرية المعتمدة على الاستيراد.

ما تأثير ذلك على قناة السويس والمنطقة؟

تأتي هذه التهديدات في وقت لم تتعافَ فيه قناة السويس بالكامل من موجة الاضطرابات السابقة. تُظهر إحصاءات هيئة قناة السويس انخفاض عدد السفن العابرة من 26 ألفاً و434 سفينة في عام 2023 إلى 12 ألفاً و758 سفينة في عام 2025، بتراجع يقارب 52%. وهبطت الحمولة الصافية خلال الفترة ذاتها من نحو 1.57 مليار طن إلى 522.1 مليون طن، أي بنحو 67%.

كان رئيس هيئة قناة السويس قد توقع تحسناً أكبر في الإيرادات خلال النصف الثاني من عام 2026 مع عودة الخطوط الملاحية، ل