النظام الدولي لإدارة البحار يترنح: هل تدخل الأرض الزرقاء حقبة الصراعات؟

في مضيق باب المندب، حيث تلتقي مياه البحر الأحمر بخليج عدن، تحولت الناقلات العملاقة إلى رهائن عائمة. الحوثيون يطلقون صواريخهم. التجارة العالمية تتلوى. وعلى بُعد آلاف الأميال، في أروقة جامعة شيكاغو، يجلس ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية، ليكتب ما يعتقد كثيرون أنه أشد التحذيرات إلحاحاً في زماننا: النظام الدولي الذي حكم البحار والمحيطات لعقود طويلة يتفكك أمام أعيننا، وما قد يخلفه من فراغ سيكون أشد وطأة على الاقتصاد العالمي مما يتخيله أحد.

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة هي ميدان التنافس والصراع بين الأمم، حتى غدا كل شبر منها — باستثناء القارة القطبية الجنوبية — خاضعاً لسيادة دولة ما. أما المحيطات، فقد ظلت بمنأى عن هذه السيطرة، شاسعةً وعصيّةً على الاستيلاء. وحين حاولت بعض القوى تنظيمها بالقوة، أخفقت محاولاتها. وخلال حقبة الحرب الباردة، آثرت القوتان العظميان — الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي — تجنّب سباق محموم للاستيلاء على المحيطات، فأفضى ذلك إلى توافق دولي نادر: منظومة من المعاهدات والهيئات تكفل حرية الملاحة في المياه الدولية، وتخصص للدول الساحلية مناطق اقتصادية خالصة ومياهاً إقليمية محددة. كان النظام هشاً، لكنه كان يعمل.

اليوم، يبدو أن ذلك العهد يُسدل ستاره. ففي تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، يرصد ألبرتوس — مؤلف كتاب «عودة الغزو» — تآكلاً منهجياً للبنية القانونية التي حمت حرية الملاحة لعقود. الحوثيون في اليمن يعطّلون حركة الملاحة في مضيق باب المندب. إيران تُعلن عزمها فرض رسوم عبور في مضيق هرمز بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي عليها في أواخر فبراير الماضي. وفي يوليو، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب فكرة تحصيل رسوم أمريكية على العبور في هرمز قبل أن يتراجع عنها. حتى وزير المالية الإندونيسي لمّح إلى فرض رسوم عبور في مضيق ملقا — الشريان الذي يمر عبره نحو 29 بالمئة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً — قبل أن يتراجع هو الآخر عن تصريحه.

لكن التراجعات الفردية لا تخفف من حدة الصورة الكبرى. الصين تتجاهل ببساطة الحكم الملزم الصادر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الذي رفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي، وتمضي قُدُماً في بناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، وتتعدى على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، وتُحاصر تايوان. روسيا تسعى لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُعامل ممرات مائية كمضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري باعتبارها مياهاً داخلية خاضعة لولايتها القضائية، لا مضائق دولية مفتوحة. وتحوم حولها شبهات بالتورط في قطع كابلات بحرية حيوية باستخدام سفن ذات هويات مخفية، في إطار حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا. أما الولايات المتحدة، فتوسّع بدورها نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة.

وإلى هذا المشهد المتوتر أصلاً، يُضاف بُعد آخر لا يقل تعقيداً: تغير المناخ. مع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي، تنشط حركة الملاحة على الطريق البحري الجديد الذي يربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور أن تسمح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق الاستراتيجي؛ فهي تُجبر حالياً السفن الأجنبية على الخضوع لنظام معقد من التصاريح والتراخيص. الجليد يذوب، والشهية تتوسع، والقانون الدولي يتراجع.

وتحت سطح المحيطات، تجري معركة أخرى صامتة لا تقل أهمية. مع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية من معادن الأرض النادرة واستغلالها ورقةَ ضغط جيوسياسية فعّالة، تتسابق دول عدة لاستكشاف قيعان المحيطات بحثاً عن بدائل. مناطق كـكلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، تختزن كميات ضخمة من الأحجار الغنية بمعادن بالغة الأهمية للصناعة والتكنولوجيا. وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة عشرات عقود التنقيب، غير أنها تحظر التعدين التجاري في غياب اتفاق على المعايير البيئية. لكن هذا الحظر يبدو أكثر هشاشة مما كان عليه في أي وقت مضى، في ظل ضغوط متزايدة من حكومات تعتبر ثروات القاع حقاً مشروعاً لمن يصل أولاً.

ما يُقلق ألبرتوس بعمق هو أن النظام لن ينهار بصورة درامية واحدة. القوى العظمى ستظل تستفيد من بعض قواعده — كتنظيم مصائد الأسماك مثلاً — حتى حين تنتهك قواعده الأخرى. الانهيار سيكون تدريجياً، تراكمياً، وخادعاً في هدوئه الظاهر. وحين تبلغ التداعيات ذروتها، ستجد السفن نفسها مضطرة إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، فيما ترتفع أسعار السلع وتغدو سلاسل الإمداد أكثر هشاشة وعرضة للانقطاع. وفي نهاية المطاف، قد تستحوذ الدول الأقوى — أو تلك التي تصل أولاً — على موارد المحيطات كما استحوذت على الأراضي في حقب الاستعمار.

بالنسبة لدولة كالإمارات العربية المتحدة، التي تقع في قلب أحد أكثر الممرات البحرية استراتيجية في العالم وتعتمد على سلاسل إمداد بحرية متشعبة لاقتصادها المنفتح على العالم، فإن هذا التحول ليس مجرد شأن أكاديمي. أمن الممرات المائية من مضيق هرمز إلى خليج عدن يمس صميم التجارة والرخاء الإماراتي. والدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد — لا بالكلمات وحسب، بل بالانخراط الدبلوماسي الفعّال والشراكات الاستراتيجية — بات ضرورة وجودية لا خياراً. في عالم تتقاسم فيه الدول الكبرى المحيطات كما تقاسمت القارات من قبل، الصغار لا يربحون من الفوضى. والإمارات تعرف ذلك جيداً.