الاحتفاء بالجاليات المقيمة: نهج إماراتي راسخ في التعايش والانفتاح

في مشهد يعكس عمق الهوية الإماراتية وانفتاحها على العالم، احتضنت دولة الإمارات العربية المتحدة فعالية «الإمارات تحب العراق»، في تجلٍّ واضح لنهج راسخ يقوم على الاحتفاء بالجاليات المقيمة على أراضيها وتكريم روابط الأخوة التي تجمعها بشعوب المنطقة. هذا النهج ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد طبيعي لرؤية تأسيسية تضع الإنسان في قلب المشروع الوطني الإماراتي، وتعدّ التنوع ثروةً لا عبئاً.

الجالية العراقية المقيمة في الإمارات لم تتردد في التعبير عن امتنانها، إذ رفعت صوتها بكلمات بليغة: «شكراً إمارات الخير والعروبة». هذه الكلمات لا تصدر من فراغ، بل تترجم تجربة إنسانية حقيقية عاشها مئات الآلاف من العراقيين الذين وجدوا في الإمارات وطناً ثانياً يوفر لهم الأمان والفرصة والكرامة. والقنصل العراقي بدوره أكد أن العلاقات الإماراتية العراقية «تاريخية ومتميزة»، وهو توصيف يختزل عقوداً من التضامن والتعاون المشترك.

السفير العراقي لدى الإمارات ذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكداً متانة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين وتميّزها، في إشارة إلى أن ما يجمع أبوظبي وبغداد يتجاوز حدود المصالح الآنية ليرسو على أرضية من الثقة المتبادلة والرؤى المشتركة. وحين تحضر حضارة العراق في دبي من خلال فعاليات ثقافية تُبرز إرثاً إنسانياً ضارباً في أعماق التاريخ، فإن الإمارات تقدم نموذجاً فريداً في استيعاب الآخر والاحتفاء بتنوعه.

ما يميز هذا النهج الإماراتي أنه لا يقتصر على الجانب الاحتفالي أو البروتوكولي، بل يمتد ليشمل بناء علاقات إنسانية حقيقية تُترجَم في السياسات والمبادرات. فالإمارات دولة يقيم فيها ما يزيد على مئتي جنسية، وهي تدير هذا التنوع الهائل بكفاءة واعية، مدركةً أن استقرار المجتمع يبدأ من شعور كل فرد فيه بالانتماء والاحترام، بصرف النظر عن جنسيته أو أصله.

في سياق أوسع، تندرج هذه الفعاليات ضمن منظومة متكاملة من المبادرات التي تُعزز مكانة الإمارات إقليمياً ودولياً. فبينما تواصل دولة الإمارات دعمها الإنساني لغزة من خلال مبادرة «الفارس الشهم 3»، وتُعبّر عن تضامنها مع تركيا في مواجهة كوارث الأمطار والسيول، وتُطلق مشاريع تراثية تنقل إبداعاتها الثقافية إلى القاهرة وسواها، فإنها ترسم صورة دولة تجمع بين الانفتاح الإنساني والفاعلية الدبلوماسية والحضور الحضاري المؤثر.

الاحتفاء بالجاليات المقيمة ليس مجرد لفتة ودّية عابرة، بل هو استثمار استراتيجي في رأس المال الإنساني والاجتماعي الذي تقوم عليه الإمارات. حين يشعر المقيم على هذه الأرض بأن ثقافته محترمة وهويته معترف بها، فإنه يُسهم بشكل أعمق وأكثر إنتاجية في مسيرة البناء والتنمية. وهذه المعادلة التي أتقنتها الإمارات هي في جوهرها سر نجاح نموذجها الفريد الذي يستحق الدراسة والإعجاب.

في نهاية المطاف، تبقى الإمارات نموذجاً يُثبت أن التنوع والوحدة ليسا نقيضين، وأن دولة صغيرة المساحة يمكنها أن تكون كبيرة القلب والأثر، حين تختار أن تبني جسورها مع العالم بدلاً من أن ترفع جدرانها في وجهه. فعالية «الإمارات تحب العراق» ليست حدثاً معزولاً، بل هي صفحة واحدة من كتاب طويل تكتبه الإمارات يوماً بيوم، بلغة الاحترام والمحبة والشراكة الإنسانية الحقيقية.