الأسبوع العالمي للغذاء 2026: أبوظبي تتصدر المشهد العالمي لبناء منظومات غذائية مستدامة

من فكرة إقليمية إلى منصة دولية كبرى

لم يكن الأمر مجرد تغيير في الاسم. حين أعادت أبوظبي تسمية “أسبوع أبوظبي للزراعة والأمن الغذائي” ليصبح “الأسبوع العالمي للغذاء” في نوفمبر 2024، كانت تُعلن عن رؤية أوسع وطموح أعمق. كانت تُعلن أن الإمارة لم تعد تكتفي بدور اللاعب الإقليمي في ملف الأمن الغذائي، بل تتطلع إلى قيادة الحوار الدولي حول أحد أكثر القضايا إلحاحاً في عالمنا المعاصر. هذا القرار لم يكن اعتباطياً، بل جاء انعكاساً طبيعياً لسنوات من الاستثمار الإماراتي المدروس في البنية التحتية للفعاليات الدولية، والتموضع الاستراتيجي لأبوظبي في قلب شبكات التجارة والابتكار العالمية.

انطلقت الدورة الأولى من الحدث بصيغته الجديدة بين 26 و28 نوفمبر 2024، في مركز أدنيك أبوظبي. جمعت أربع فعاليات محورية في آنٍ واحد: القمة العالمية للأمن الغذائي، ومعرض أبوظبي الدولي للأغذية في نسخته الثالثة، ومعرض أبوظبي للتمور في نسخته العاشرة، فضلاً عن إطلاق “منصة أبوظبي للقهوة” للمرة الأولى. لم يكن التجميع بين هذه الفعاليات مصادفة، بل تصميم متعمد لخلق منظومة متكاملة تربط الحوار السياسي بالفرص التجارية والابتكار التقني في قطاع واحد. النتائج كانت لافتة: أكثر من 34 ألفاً و437 زائراً، ونحو 1900 شركة وعلامة تجارية من 67 دولة، وصفقات تجاوزت قيمتها الإجمالية 6.2 مليار درهم.

الدورة الثانية: نمو متسارع وأرقام قياسية

بحلول أكتوبر 2025، كان من الواضح أن الدورة الأولى لم تكن مجرد انطلاقة ناجحة، بل أرست قواعد راسخة لحدث قابل للتوسع والنمو. بين 21 و23 أكتوبر من ذلك العام، أقيمت الدورة الثانية بزيادة ملموسة في كل المؤشرات. ارتفعت مساحة المعرض بنسبة 15% لتبلغ 33 ألفاً و542 متراً مربعاً. وتجاوز عدد الشركات والعلامات التجارية المشاركة حاجز 2070، قادمة من 75 دولة، من بينها 543 شركة تشارك للمرة الأولى، مما يدل على أن الحدث بات يستقطب وجوهاً جديدة لا يكتفي بإعادة تجميع المشاركين السابقين.

سجّلت الدورة الثانية أكثر من 40 ألفاً و108 زائرين، بزيادة بلغت 16% مقارنة بالدورة الأولى. وعلى صعيد الصفقات، وُقّعت 58 اتفاقية بقيمة إجمالية وصلت إلى 6.6 مليار درهم. أسهم برنامج المشترين المستضافين في ربط العارضين والموردين بأكثر من 400 مشترٍ دولي، في خطوة عملية هدفت إلى فتح أسواق جديدة وتوطيد شراكات استراتيجية بين الشركات العاملة في قطاع الأغذية والمشروبات. كانت الصورة واضحة: الأسبوع العالمي للغذاء يتحول بسرعة إلى وجهة لا يمكن لأي لاعب جاد في هذا القطاع أن يتجاهلها.

الدورة الثالثة: 92 دولة تحت سقف واحد في أبوظبي

تحت شعار “معاً نحو مستقبل غذائي متنامٍ”، وتحت رعاية الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس إدارة هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية، تنطلق الدورة الثالثة من الأسبوع العالمي للغذاء في مركز أدنيك أبوظبي خلال الفترة من 6 إلى 8 أكتوبر 2026. الأرقام هذه المرة تتجاوز كل ما سبق بفارق واسع. ارتفعت مساحة المعرض بنسبة 25% لتقترب من 42 ألف متر مربع. وزاد عدد العارضين والعلامات التجارية بنسبة 18% ليبلغ 2580، فيما اتسعت المشاركة لتشمل 92 دولة بنمو قدره 23% مقارنة بالدورة الثانية.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعكس تحولاً نوعياً في مكانة الحدث على الخريطة الدولية. مجموعة أدنيك، إحدى شركات “مُدن”، تنظّم هذه الدورة بالشراكة الاستراتيجية مع هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية، وهي شراكة تُجسّد نموذج التكامل بين القطاعين العام والخاص الذي طالما ميّز الإمارات في إدارة فعالياتها الكبرى. يشارك في الحدث صنّاع السياسات والمنظمات الدولية والمستثمرون والمبتكرون والباحثون وقادة قطاعَي الغذاء والزراعة من مختلف أنحاء العالم، مما يجعل أبوظبي في هذه الأيام الثلاثة العاصمة الفعلية للحوار الغذائي الدولي.

برنامج يتجاوز المعرض التقليدي

ما يميز الدورة الثالثة ليس حجمها فحسب، بل عمق برنامجها وتنوع محاوره. تتصدر الفعاليات دورة جديدة من القمة العالمية للأمن الغذائي، التي تجمع مسؤولين حكوميين وصناع سياسات وباحثين لمناقشة سبل بناء منظومات غذائية أكثر مرونة واستدامة. ويضم البرنامج كذلك منتدى التكنولوجيا الزراعية، ومجلس المزارعين، ومجلس منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” للسياسات، وورشة عمل المنظمة العالمية لصحة الحيوان لدول مجلس التعاون الخليجي وأفريقيا، إلى جانب برنامج “يلا فاست” الموجّه للشباب لتعزيز وعيهم بتحولات النظم الزراعية والغذائية.

تشهد هذه الدورة استضافة جمهورية الهند كضيف شرف للمرة الأولى في تاريخ الحدث، وهو اختيار ذو دلالة استراتيجية واضحة في ضوء العلاقات الاقتصادية المتينة بين الإمارات والهند، والتي تجعل من هذه الشراكة امتداداً طبيعياً للتعاون القائم بين البلدين. كما تُطلق الدورة تجربة “تسوّق في المعرض” بوصفها بُعداً موجّهاً للمستهلكين، وتُوسّع نطاق القطاعات المشاركة بإضافة قطاع الأعلاف، وتُطلق معرضاً وندوة مخصصَين للعسل بالتعاون مع الاتحاد الدولي لجمعيات النحالين، فضلاً عن معرض أبوظبي للتمور في نسخة جديدة ومنتدى أبوظبي للعسل.

الإمارات تُرسّخ دورها محوراً للأمن الغذائي العالمي

عبر ثلاث دورات متتالية، تطوّر الأسبوع العالمي للغذاء من فعالية تركز على المعارض المتخصصة إلى منظومة متكاملة تغطي المراحل المختلفة لسلسلة القيمة الغذائية بأكملها، بدءاً من الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية، مروراً بالتصنيع والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، وصولاً إلى الابتكار والتكنولوجيا والاقتصاد الدائري. هذا التطور التدريجي والمتسارع ليس صدفة، بل ثمرة استراتيجية واضحة تضع الأمن الغذائي في قلب الأجندة الوطنية الإماراتية.

تستفيد الإمارات في هذا المسار من ثلاثة مزايا تنافسية حقيقية: موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يجعلها ملتقى طبيعياً بين أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا، وبنيتها التحتية المتقدمة التي تمكّنها من استضافة فعاليات بهذا الحجم وهذا التعقيد، وقدرتها المُثبتة على جمع أطراف المنظومة الغذائية من حكومات وشركات ومنظمات دولية وباحثين تحت سقف واحد. الرهان الإماراتي واضح: من يمتلك منصة الحوار الغذائي الدولي يمتلك نفوذاً حقيقياً في تشكيل مستقبل هذا القطاع الحيوي، وأبوظبي تسعى بخطى ثابتة لأن تكون تلك المنصة.