إيران تضرب الخليج وتتجنب أمريكا: استراتيجية الجبان أم حسابات الردع؟

ثمة مفارقة صارخة تكشف عنها وقائع الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران: في الوقت الذي تقصف فيه الولايات المتحدة محطات السكك الحديدية والكهرباء والمياه داخل إيران، يختار الحرس الثوري الإيراني توجيه ضرباته نحو مطارات مدنية ومحطات مياه وكهرباء في الكويت والبحرين — لا نحو حاملات الطائرات الأمريكية المرابطة على بُعد 150 كيلومتراً من سواحله، ولا نحو القواعد الأمريكية في إسرائيل. هذا الاختيار ليس عشوائياً. الأطروحة التي يدافع عنها أبرز المحللين الإقليميين واضحة: إيران تنتهج استراتيجية ردع أفقي تستهدف دول الجوار الخليجي بدلاً من المواجهة المباشرة مع القوة الأمريكية، ساعيةً إلى الضغط على واشنطن عبر إيلام حلفائها — وهي رهانٌ فاشل سياسياً، وإن كان مفهوماً عسكرياً.

يُفسّر العميد إلياس حنا، الخبير العسكري الذي تحدث لقناة الجزيرة، هذه المعادلة بمنطق الكلفة والجدوى. ضرب وحدة أمريكية يعني استدعاء رداً مدمراً لا تستطيع طهران استيعابه. وفوق ذلك، فإن حاملات الطائرات محصّنة بشبكات دفاع جوي متطورة تجعل استهدافها أمراً بالغ الصعوبة عملياً، مما يُخرجها فعلياً من دائرة منظومة الردع الإيرانية. القرار إذن ليس شجاعة أو تحفظاً أخلاقياً — بل هو حساب بارد للبقاء.

فلسفة الردع الأفقي وتناقضاتها

ترتكز منظومة الردع الإيرانية، وفق تحليل حنا، على ركيزتين متلازمتين: التحكم في مضيق هرمز أو تعطيله، والاعتماد على التصعيد الأفقي ضد دول المحيط الإقليمي بهدف خلق شرخ بينها وبين الولايات المتحدة. الهدف النهائي انتزاع اعتراف إقليمي ودولي بالدور الإيراني في المضيق. لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على تناقض جوهري: كلما ضربت طهران دول الخليج، كلما عمّقت عزلتها وأفقدت نفسها ما تبقى من رصيد دبلوماسي في المنطقة.

الدليل الأكثر إثارة هو ما رصده حنا من ضربات عسكرية وقعت مباشرة عقب تحركات دبلوماسية لوزير الخارجية عباس عراقجي في عُمان. هذا التزامن يكشف خلافاً حقيقياً بين الجناحين السياسي والعسكري في طهران، ويُفنّد الرواية الرسمية القائلة بأن “مجموعات غير منضبطة” هي من تقف وراء القصف. عمليات بهذا الحجم الجيوسياسي لا تتم إلا بقرار من القيادات العليا.

أما الأكاديمية الإيرانية عاطفة طغياني، أستاذة العلوم السياسية بجامعة طهران، فقد قدّمت مبرراً مختلفاً: القانون الدولي يمنح إيران حق الرد على أي بلد تنطلق منه هجمات ضدها، مؤكدةً أن البنية التحتية الإيرانية تُستهدف انطلاقاً من دول الخليج وخصوصاً الكويت. غير أن هذه الحجة تتهاوى أمام الوقائع.

الدكتور عبد الله الشايجي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت، رفض هذه الرواية بحزم، واصفاً إياها بـ”البروباغندا الإيرانية المكررة”. حجته دامغة: كافة الضربات الأمريكية تنطلق من حاملتي الطائرات جورج دبليو بوش وأبراهام لينكولن، اللتين لا تبعدان أكثر من 150 كيلومتراً عن السواحل الإيرانية. دول الخليج أبلغت طهران صراحةً بأن أراضيها لن تُستخدم منصةً لأي ضربات، وهي اتفقت مع واشنطن على إبقاء قواتها لأغراض دفاعية حصراً. الإيرانيون يعرفون ذلك. ومع ذلك يمضون في قصف محطات المياه الكويتية صيفاً، في بلد يعيش سكانه على تحلية البحر — وهو ما يُعدّ انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وتعمداً لتصعيب الحياة على المدنيين.

المفارقة المؤلمة التي يُشير إليها الشايجي: الكويت هي أكثر دول الخليج رفضاً للتطبيع مع إسرائيل، ومع ذلك تتلقى القدر الأكبر من الهجمات الإيرانية. هذا وحده يكشف أن المنطق الإيراني المُعلَن لا يصمد أمام الاختبار.

الدكتور عبد الله بندر العتيبي، الأستاذ المساعد في جامعة قطر، يُضيف بُعداً آخر: إيران تتجنب ضرب طائرات التزود بالوقود المنطلقة من مطار بن غوريون لأنها لا تريد توسيع الحرب، وتُركّز على الخليج لأنها واثقة من أن هذه الدول لن تنخرط عسكرياً في المواجهة. إنه استغلال مدروس لضبط النفس الخليجي. لكن العتيبي يُحذّر: إذا أسفر أي قصف إيراني عن خسائر بشرية كبيرة في دولة خليجية، فإن احتمالية المواجهة الشاملة تصبح واردة بجدية.

أما التركيز الأمريكي على مضيق هرمز، فيراه العتيبي محاولةً لقلب المعادلة: تحويل المضيق من ورقة ضغط بيد إيران إلى عبء سياسي عليها، في ظل اقتصاد ينزف ثمن التصعيد المتواصل. إيران لن تستطيع بسط سيطرتها الكاملة على هرمز بينما تتآكل قدراتها من الداخل.

الخلاصة التي يصل إليها الشايجي قاسية لكنها صريحة: إيران فقدت عقلها السياسي. استراتيجيتها الراهنة تُفقدها ما تبقى من مصداقية، وتبني جداراً من الرفض الإقليمي لما تقوم به. في المقابل، أثبتت هذه الحرب لدول الخليج — ومنها الإمارات — أن الاعتماد المطلق على الضمانات الأمريكية غير كافٍ؛ فترمب شنّ حربه دون استشارة أحد، ولم يلتزم بما اتُّفق عليه في مذكرة التفاهم، لا في لبنان ولا في ملف التعويضات الإيرانية. الدرس المُستخلَص: على دول المنطقة بناء آليات تنسيق جماعي مستقلة، والحدّ من الاعتماد على طرف خارجي واحد — مهما بلغت قوته — حتى لا تنزلق الأمور نحو حرب بالخطأ لا يريدها أحد.