
أمن الخليج في مرحلة ما بعد الحرب: المظلة الأمريكية لا تكفي وحدها
كشفت الحرب الأخيرة مع إيران عن حقيقة صارمة لا تستطيع دول مجلس التعاون الخليجي تجاهلها: الاعتماد الكلي على الحماية الأمريكية لم يعد خياراً ناجعاً، غير أن الاستغناء عن واشنطن يبقى ضرباً من المستحيل. هذه المعادلة الصعبة تُعيد تشكيل المنظومة الأمنية الخليجية من أساسها.
افتراضات تحطمت تحت وطأة الصواريخ
لعقود متتالية، ارتكزت الاستراتيجية الأمنية الخليجية على ثلاثة افتراضات راسخة: أن القوات الأمريكية ستردع أي هجوم إيراني واسع النطاق، وأن الدبلوماسية الثنائية مع طهران يمكن أن تُعزل الدول الأعضاء عن أي مواجهة أوسع، وأن منظومات الدفاع الصاروخي المتطورة كفيلة باحتواء أي رد انتقامي محدود. ثلاثة افتراضات، ثلاث هشاشات.
الواقع جاء مغايراً تماماً. هاجمت إيران جميع الأعضاء الستة لمجلس التعاون الخليجي، بما فيهم عُمان وقطر اللتان طالما حرصتا على الحفاظ على علاقات دافئة مع طهران. لم تستثنِ الهجمات أحداً. وامتدت لتطال المطارات المدنية ومحطات تحلية المياه ومنشآت الطاقة والمناطق السكنية، لا القواعد العسكرية وحدها.
أعلن مجلس التعاون الخليجي رسمياً أن الاعتداء على أحد أعضائه اعتداء على الجميع. لكن الرد الميداني ظل وطنياً في معظمه، لا جماعياً بالمعنى الحقيقي. الدرس واضح: لا الحياد ولا التقارب الدبلوماسي ولا الوجود العسكري الأمريكي يُوفر حصانة مطلقة.
الردع بالإنكار: الهدف الأكثر واقعية
تكمن المعضلة الجوهرية في أن إيران لا تحتاج إلى هزيمة عسكرية كلاسيكية لتحقيق أهدافها. يكفيها خلق قدر كافٍ من الاضطراب لفرض تكاليف غير متناسبة. إغلاق مطار لساعات، أو الإضرار بمحطة تحلية مياه، أو رفع أقساط التأمين البحري، كل ذلك يُلقي بظلاله على الاستثمار والسياحة والثقة الاقتصادية.
أنظمة باتريوت وثاد والطائرات المقاتلة اعترضت نسبة عالية من التهديدات الواردة، وحالت بلا شك دون كوارث أكبر. لكن لا يوجد درع منيع في مواجهة منظومة هجومية تجمع بين الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة الرخيصة والهجمات السيبرانية والعمليات الوكيلة.
لذا، فإن الهدف الواقعي ليس الردع الشامل، بل الردع بالإنكار: إقناع طهران بأن هجماتها لن تُفضي إلى مكاسب سياسية أو اقتصادية ذات معنى. يتطلب ذلك بناء منظومة متكاملة تشمل الدفاعات الصاروخية وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية ومنشآت الطاقة والمياه المحمية، إلى جانب احتياطيات أكبر من الصواريخ الاعتراضية.
القدرة على الصمود ليست مجرد إدارة طوارئ. إذا أُعيد فتح المطارات بسرعة، وانتقلت أنظمة البيانات إلى مواقع بديلة، وظل الماء والكهرباء متاحَين للمواطنين، فإن النفوذ الإيراني القسري يتراجع. المرونة سلاح استراتيجي.
الولايات المتحدة: لا غنى عنها، ولكن غير كافية
لم تُجعل الحرب الولايات المتحدة هامشية الأهمية. الاستخبارات الأمريكية والدفاعات الجوية والقوة البحرية والقيادة والسيطرة حدّت بشكل كبير من حجم الأضرار. لا الصين ولا روسيا ولا الدول الأوروبية تستطيع إعادة إنتاج هذه المنظومة المتكاملة.
لكن الفشل كان في افتراض أن استضافة القوات الأمريكية تضمن تلقائياً الحصانة الإقليمية. أولويات واشنطن الفورية كانت حماية أفرادها وأصولها ومواصلة العمليات ضد إيران والدفاع عن إسرائيل. هذه الأولويات لم تتطابق دائماً مع الأولويات الخليجية: حماية المطارات والموانئ ومحطات تحلية المياه والمراكز السياحية وسمعة مدن الخليج كمراكز تجارية آمنة.
كشفت الحرب عن فجوة حقيقية بين الوجود العسكري والضمان السياسي. القاعدة الأمريكية قد تردع أشكالاً معينة من العدوان، لكنها قد تجعل مضيفها في الوقت ذاته جزءاً من ساحة المعركة. وهي لا تُحدد تلقائياً فئات البنية التحتية المدنية التي ستتكفل واشنطن بالدفاع عنها.
تواجه حكومات الخليج خطرَين متعارضَين في آنٍ واحد: الخوف من التخلي عنها إذا خفضت واشنطن حمايتها، والخوف من الانزلاق إلى حروب لم تبدأها ولا تستطيع السيطرة عليها. النتيجة المفضلة لديها ليست الانسحاب الأمريكي ولا الانحياز الأعمى، بل حماية أمريكية مستمرة مقترنة بمشاورات أعمق وضمانات أوضح.
مشهد إقليمي متحرك: ترامب وما بعد الحرب
تشير التقارير إلى أن إدارة ترامب تدرس هيكلاً أمنياً أكبر لاحتواء إيران وتوسيع اتفاقيات أبراهام، وهي اتفاقيات تُمثل خياراً استراتيجياً محسوباً تدعمه الإمارات بقناعة راسخة. غير أن القبول الخليجي بأي ترتيب جديد سيتوقف على ما إذا كان يعكس الأولويات الخليجية أم أنه مصمم أساساً حول الأهداف الأمريكية والإسرائيلية.
اجتماع ترامب في سبتمبر الماضي مع ممثلي دول الخليج في نيويورك جمع بين التهديد والدبلوماسية في آنٍ واحد. بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، هذا المزيج يُعزز دورها المفضل: ليس مشاركة تلقائية في تحالف مناهض لإيران، بل دور المحاور الذي يسعى إلى تشكيل الأهداف ومنع التصعيد.
تتنافس رؤيتان لمستقبل أمن الخليج: هيكل احتواء إقصائي يربط الولايات المتحدة وإسرائيل وشركاء عرب ضد إيران، ونموذج يجمع بين الردع الخارجي وإطار عدم الاعتداء الإقليمي والتواصل المستمر مع طهران. معظم حكومات الخليج ستسعى للعمل بين هذين النموذجين.
لماذا لن يكون هناك “ناتو خليجي”؟
أوجدت الهجمات الإيرانية حافزاً قوياً للتنسيق، لكنها لم تُزِل العقبات السياسية التاريخية. القيود الجوهرية ليست شُحّ الأموال أو الأسلحة. المشكلة أن أعضاء مجلس التعاون الخليجي يحتفظون بتصورات مختلفة للتهديد، وأنظمة مشتريات متباينة، ومواقف متفاوتة تجاه إيران وإسرائيل، وتردد حقيقي في تفويض قرارات سيادية بشأن الحرب لقيادة فوق وطنية.
لكن مجلس التعاون الخليجي لا يحتاج إلى أن يُصبح حلف الناتو لتحقيق تقدم ملموس. صورة جوية وصاروخية مشتركة، وتبادل رادار آلي، وبروتوكولات اعتراض موحدة، واحتياطيات مشتركة من الصواريخ، وخلية أزمة دائمة، كل ذلك كفيل بتحسين الأمن الجماعي بصورة حقيقية. الاختبار الحاسم هو التكامل العملياتي لا لغة المعاهدات.
نظام بيئي، لا تحالف
البنية الأكثر قبولاً هي ما يمكن تسميته “الهندسة المتغيرة”: تحالفات مختلفة تُعالج تهديدات مختلفة. أزمة بحرية قد تجمع عُمان والسعودية والإمارات والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. الدفاع الجوي قد يضم دول الخليج وتركيا وباكستان وشركاء غربيين. الوساطة مع إيران تقودها قطر وعُمان بطبيعة الحال.
البنية الناشئة تتضمن أربع طبقات مترابطة: علاقة أمريكية مُعاد معايرتها توفر الردع الموسع، وتنسيق عملي خليجي في الدفاع الجوي والاستخبارات والأمن البحري، وشراكات ثنائية مع القوى الإ




