
لقاء الحية وكوشنر: موريتانيا في مواجهة اختبار الشفافية بعد تقرير يكشف اختلالات بـ60 مليون دولار
ستون مليون دولار. هذا الرقم وحده كافٍ لإشعال فتيل الجدل في أي بلد، غير أن ما أشعله في موريتانيا لم يكن الرقم بحد ذاته، بل ما غاب عن التقرير الذي حمله.
في مطلع هذا الأسبوع، أصدرت المفتشية العامة للدولة الموريتانية تقريرها الرقابي الذي رصد اختلالات مالية تمتد عبر قطاعات حكومية متعددة، تُقدَّر قيمتها بنحو 2.3 مليار أوقية موريتانية جديدة، ما يعادل قرابة 57.5 مليون دولار أمريكي. جاء التقرير بعد أشهر من الانتظار، وفي خضم حملة تُعلن السلطات أنها تشنّها على الفساد وتعزيز الحوكمة. بيد أن صفحاته خلت من شيء واحد أثار عاصفة من الانتقادات: لم يرد فيها اسم شخص واحد، ولا مؤسسة بعينها، ولا شركة محددة.
على الفور، انقسمت الأصوات السياسية في نواكشوط. فبينما رأت المعارضة في هذا الحذف تستراً صريحاً على المفسدين، دافعت السلطة عن موقفها بأن الأمر لا يعدو كونه التزاماً بمبادئ حماية البيانات الشخصية. وبين هذين الموقفين، تتشكّل صورة أعمق لدولة تسعى إلى ترسيخ منظومة رقابية، لكنها تجد نفسها أمام اختبار حقيقي لمصداقية تلك المنظومة.
حزب «تواصل»، أكبر أحزاب المعارضة وأوسعها تمثيلاً في البرلمان، لم يتردد في توجيه انتقاد مباشر وحاد. طالب الحزب السلطاتِ بالابتعاد عمّا وصفه بـ«سياسة التعمية والتستر على الضالعين في عمليات الفساد، أياً كانت مواقعهم أو مناصبهم»، مؤكداً أن الحكومة ملزمة بنشر جميع نتائج المتابعة القضائية للمتورطين دون استثناء. وفي عبارة تلخّص روح موقفه، قال الحزب إن «المال العام ليس غنيمة، وأن مقدرات الشعب ليست مجالاً للمحاباة والتلاعب»، مشدداً على أن حماية المال العام ليست مطلب المعارضة وحدها، بل حق لكل مواطن موريتاني وواجب على كل مسؤول. ودعا الحزب صراحةً إلى تنفيذ توصيات أجهزة الرقابة كاملة وبآجال محددة، وإلى إصلاح جذري لمنظومة الصفقات العمومية وإغلاق منافذ التلاعب بها، رافضاً أن تتحول تقارير الرقابة إلى «وثائق تُحفظ في الأدراج».
النائب المعارض محمد الأمين ولد سيدي مولود ذهب أبعد من ذلك في تشخيصه، إذ رأى أن الحكومة «قتلت التقرير قبل أن يصدر» حين انتزعت منه جوهره بحجب أسماء المتورطين والمؤسسات المعنية. وأشار إلى أن المبالغ التي كُشف عن التلاعب فيها كانت ضخمة بما يكفي لتمويل بناء مستشفيات أو مؤسسات تعليمية، وصيانة طرق، وتمويل مشروعات شبابية. أما الخطر الأعمق في نظره، فيكمن في أن التستر على المفسدين يُبقي الباب مفتوحاً أمام إسناد مسؤوليات جديدة إليهم مستقبلاً، بعيداً عن رقابة الرأي العام.
في المقابل، قدّم زين العابدين ولد المنير، رئيس الفريق البرلماني لحزب «الإنصاف» الحاكم، قراءة مغايرة تماماً. رأى أن نشر التقرير في حد ذاته يمثّل «محطة مهمة في مسار تعزيز الشفافية وتطوير منظومة الرقابة»، وأن الدولة التي تُفصح عن نتائج جهازها الرقابي أمام مواطنيها إنما تؤكد أن الرقابة ليست شأناً إدارياً مغلقاً، بل جزء من منظومة حوكمة يحق للمواطن الاطلاع عليها. وحرص على التمييز اللغوي والقانوني بين مفهوم «الاختلالات المالية» الذي ورد في التقرير، ومفهوم «الاختلاس» الذي يستلزم حكماً قضائياً، مؤكداً أن الإحالة إلى القضاء ليست إدانة، وأن الأثر المالي لملف قضائي لا يعني بالضرورة أن مبلغاً بعينه قد اختُلس.
وفي هذا السياق، يبدو موقف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني متسقاً مع توجه السلطة العام؛ إذ سبق أن أكد رفضه تحويل الحرب على الفساد إلى أداة لتصفية الحسابات الشخصية أو الإضرار بسمعة من لم تصدر بحقهم أحكام قضائية بعد.
والحقيقة أن هذا الجدل يتجاوز التفاصيل التقنية والقانونية ليطرح سؤالاً جوهرياً: هل تكفي الشفافية الجزئية لبناء الثقة؟ فالتقرير موجود، والأرقام منشورة، والمؤسسة الرقابية تعمل، لكن الأسماء غائبة. وفي غياب المساءلة الفردية الواضحة، يظل المواطن الموريتاني العادي أمام معادلة ناقصة: يعرف حجم الخسارة، لكنه لا يعرف من يتحمل مسؤوليتها. وهذا الفراغ بالذات هو ما يغذّي الشك، ويجعل من كل تقرير رقابي جديد مناسبة لتجديد التساؤل عن الإرادة الحقيقية في مكافحة الفساد.




