
خاتمي يدافع عن الدبلوماسية الإيرانية: “لا يمكننا العيش بالحرب”
ما الذي قاله خاتمي وفي أي سياق؟
في لقاء جمعه بمجموعة من الصحافيين، دافع الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي بشكل صريح عن مسار التفاوض مع الولايات المتحدة، محذراً من أن ضياع الفرصة الراهنة سيُفضي إلى تصاعد التهديدات. جاءت تصريحاته قُبيل انتهاء مهلة مذكرة التفاهم التي نصَّت على وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، في لحظة بالغة الحساسية تتشابك فيها الضغوط الداخلية مع التوترات الإقليمية. ونقلت وسائل إعلام إصلاحية عنه قوله: «بعد الحرب أتيحت فرصة استثنائية للبلاد والشعب»، مضيفاً أن تجلي هذه الفرصة ظهر في مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيسان. وحذَّر من تكرار أخطاء الماضي: «آمل ألا تضيع هذه المرة الفرصة التي أتيحت، كما ضاعت للأسف مرات عديدة؛ فإذا ضاعت فستشتد التهديدات».
تجدر الإشارة إلى أن مفاوضات إسلام آباد في أبريل الماضي كانت قد فتحت مساراً تفاوضياً بين طهران وواشنطن، انتقل لاحقاً إلى جنيف حيث جرى توقيع مذكرة التفاهم في السابع عشر من يونيو. هذا المسار يمثّل تحولاً دبلوماسياً نادراً في العلاقات بين البلدين، ويُشكّل اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف على الحفاظ على التفاهمات في مواجهة القوى المعارضة لها.
لماذا يدعم خاتمي حكومة بزشكيان؟
لا يأتي دفاع خاتمي في فراغ سياسي. تواجه حكومة بزشكيان انتقادات حادة من القوى المحافظة بسبب تمسكها بخيار التفاوض، وهو ما يجعل تصريحات الرئيس الأسبق دعماً علنياً واضحاً في لحظة حرجة. أشاد خاتمي بقرار المجلس الأعلى للأمن القومي والقادة العسكريين بالمضي نحو التفاهم، وأشار إلى موافقة المرشد مجتبى خامنئي، قائلاً: «يجب تقدير المجلس الأعلى للأمن القومي والقادة الذين توصلوا إلى مثل هذا القرار الكبير، والقيادة التي أيَّدته». كما أثنى على الرئيس بزشكيان شخصياً: «يجب تقدير شجاعة وتضحية الرئيس المحترم، الذي منح إيران فخراً بتوقيع مذكرة التفاهم».
ووصف خاتمي الوضع الذي أعقب الحرب بأنه منح إيران «موقعاً من العزة النسبية»، مؤكداً أن المؤسسة الحاكمة استطاعت فرض «بقاءها ووجودها» على خصومها. هذا التأطير ليس مجرد بلاغة؛ إنه رسالة سياسية موجهة إلى المشككين في جدوى التفاوض، مفادها أن الدبلوماسية لا تعني الاستسلام، بل تعني تحقيق المصالح الوطنية بأدوات أكثر فاعلية.
ما معنى “السلام المشرّف” الذي يتحدث عنه؟
وصف خاتمي مذكرة التفاهم بـ«السلام المشرّف»، وشرح هذا المصطلح بدقة لافتة. قال إنه «الامتثال لحكم العقل في ميدان العمل»، مضيفاً أن «الحرب شر كبير، والسلام خير كبير». موقفه واضح وحاسم: مواصلة الحرب ليست خياراً يمكن للمجتمع الإيراني تحمله. وأضاف: «أعزائي، لا يمكننا أن نعيش بالحرب، أي إن الناس لا يستطيعون ذلك، واستمرار الحياة وتأمين متطلبات المعيشة وإدارة المجتمع أمر غير ممكن». وعدَّ «الرؤية التي تقول إنه يمكن الوقوف في وجه العدو حتى النهاية بالحرب هي رؤية خاطئة».
غير أن خاتمي حرص على التمييز بين الدعوة إلى السلام والثقة بالطرف الآخر. صرّح بوضوح: «لا توجد ثقة بأميركا»، وأضاف أن إسرائيل «لن تتوانى عن أي عمل من أجل استمرار التوتر والصراع». لكنه دعا إلى مواجهة ذلك عبر «التدبير والدبلوماسية المحسوبة»، والعمل على منع تجدد الحرب والخروج من حالة «لا حرب ولا سلام». ودعا الطرفين إلى الحفاظ على مذكرة التفاهم، قائلاً: «يجب ألا ينتهك أي من الطرفين مذكرة التفاهم. وألا يُرد على الانتهاك بانتهاك».
ماذا يطالب خاتمي على الصعيد الداخلي؟
لم يقتصر حديث خاتمي على السياسة الخارجية. ربط تجاوز آثار الحرب بإصلاحات داخلية جوهرية، ومعالجة الهوة المتسعة بين الدولة والمجتمع. حذَّر من أن «العدوان الخارجي والحرب الشاملة لن يركعا إيران»، إلا إذا عجز نظام الحكم عن معالجة «أوجه النقص والقصور والعوامل التي أدت إلى ابتعاد غالبية المجتمع». ودعا إلى «إصلاحات هيكلية وفي النهج والاستراتيجية» لتحسين أوضاع المجتمع، مؤكداً أن «مع تجاوز هذه المرحلة الصعبة، يبدأ العمل الأصعب للسلطة».
استخدم خاتمي تعبيراً شديداً لوصف المسافة بين مؤسسات الحكم والمواطنين، إذ أشار ضمناً إلى الاحتجاجات التي هزَّت البلاد في السنوات الأخيرة: «يجب ألا ننسى أن الخط الدموي الذي أحدث خلال هذه السنوات مسافةً بين الشعب والحكومة أصبح شديد الوضوح». وأشار إلى جملة من الأزمات الاقتصادية التي تتفاقم يوماً بعد يوم، من بينها:
ودعا إلى معالجة هذه الملفات بمشاركة المواطنين ووضع «استراتيجيات مناسبة»، مؤكداً أن إيران يمكنها «بتجنب التوتر» حماية مصالحها وعزتها ومستقبلها، وفتح المجال أمام الإيرانيين الذين يواجهون ضغوطاً معيشية متزايدة وفقداناً للأمل.
ماذا قال خاتمي عن قيود الإنترنت؟
في موقف يكشف عن وعي بالواقع الرقمي، طالب خاتمي حكومة بزشكيان باتخاذ خطوات جدية لإنهاء قيود الإنترنت التي استمرت بعد الحرب. اعترف بأن بعض القيود «خلال الحرب كان من الممكن أن تكون مفهومة ومبررة»، لكنه أكد أن استمرارها بات «مضراً، بل ومستحيلاً». وأشار إلى ارتفاع الإقبال على ستارلينك وشبكات VPN، مستنتجاً أن إغلاق جميع طرق الوصول إلى الإنترنت أمام الإيرانيين «غير ممكن».
حجته اقتصادية في جوهرها: أعمال جزء كبير من المجتمع باتت مرتبطة بالإنترنت، وكثير من أصحاب الأعمال والمفكرين والباحثين وحتى المواطنين العاديين يمكن أن تتوقف أعمالهم في حال استمرار القيود. ورأى أن الحجب يزيد الميل إلى تجاوز القيود، بينما تتحول الأضرار التي يتحملها المستخدمون إلى أرباح لمن يتاجرون بأدوات كسر الحجب. وخاطب بزشكيان مباشرة: «آمل أن يبادر السيد الرئيس، بالشجاعة والصراحة والحسم نفسها التي رأيناها منه في بعض الحالات، إلى حل هذه المعضلة المؤسفة أيضاً».




