
الكلاسيكو الأيبيري في كأس العالم: إسبانيا تطارد الثأر والبرتغال تراهن على التنظيم والخبرة
مواجهة تحمل ثقل التاريخ القريب
حين تلتقي إسبانيا والبرتغال يوم الاثنين في دور الـ16 من كأس العالم تحت شمس تكساس الحارقة، فإن ما يجمع الفريقين لا يقتصر على الجوار الجغرافي وتقاسم شبه الجزيرة الأيبيرية، بل يمتد إلى جرح طازج لم يندمل بعد. الأطروحة التي تحكم هذه المواجهة واضحة: إسبانيا الأكثر تنظيماً وأداءً في هذه البطولة، لكن البرتغال تمتلك الوصفة التي أفسدت عليها الاحتفال قبل أقل من عام.
في نهائي دوري الأمم الأوروبية العام الماضي، أوقفت البرتغال المسيرة الذهبية للمنتخب الإسباني بركلات الترجيح إثر تعادل 2-2، حارمةً إياه من لقب كان سيُتوِّج ثلاث سنوات استثنائية بدأت ببطولة أوروبا 2024 ثم لقب دوري الأمم 2023. تلك الليلة هي النقطة السوداء الوحيدة في مسيرة امتدت على 34 مباراة دون هزيمة. وهذا الرقم وحده يكفي لوصف الجوع الإسباني للثأر.
آلة إسبانية تعمل بدقة
لم تتلقَّ إسبانيا هدفاً واحداً في كأس العالم منذ مباراة اليابان في قطر 2022، وهو رقم يعكس عمق التحول الذي أحدثه المدرب لويس دي لا فوينتي في بنية المنتخب الدفاعية. الفريق لا يكتفي بالصلابة خلف الكرة، بل يجمعها مع استحواذ سلس وجرأة في استغلال المساحات، مما يجعله ماكينة متكاملة لا ثغرة واضحة فيها.
لامين جمال هو الاسم الأكثر تداولاً في عناوين الأخبار، وهذا مفهوم. جناح يلعب بثقة من يتجاوز عمره بعقود، يتعامل مع ضغط المباريات الكبرى وكأنه روتين يومي. غير أن إسبانيا أكبر من أي نجم بعينه؛ تمريراتها متقنة جماعياً، وتحركاتها الهجومية حادة وموقوتة، وتنظيمها الدفاعي بات من أكثر الركائز موثوقية في البطولة. قال جمال بعد الفوز 3-0 على النمسا: “يتعين علينا مواصلة التطور، لكننا لا نخشى أحداً.” جملة تلخص روح هذا الفريق.
أداء إسبانيا تطور تدريجياً طوال البطولة، من تعادل مخيب دون أهداف أمام الرأس الأخضر في الافتتاح، إلى فوز مقنع على النمسا. هذا التصاعد في المنحنى يمنح الفريق زخماً نفسياً لا يُستهان به.
البرتغال: كمين منظم خلف واجهة هشة
في المقابل، وصلت البرتغال إلى هذه المرحلة بصورة أقل إقناعاً؛ إذ عانت أمام كرواتيا، وأنهت دور المجموعات في المركز الثاني خلف كولومبيا بتعادلين. أرقام لا تبعث على الطمأنينة، لكنها لا تعني أن الفريق انتهى.
في نهائي دوري الأمم، لم تحاول البرتغال منافسة إسبانيا في البراعة الفنية، بل اختارت التنظيم والتماسك والعناد، ورفضت الانجرار إلى لعبة مفتوحة كانت ستضعها في مهب الريح. خط الوسط الذي يضم فيتينيا وجواو نيفيز وبرونو فيرنانديز يمتلك القدرة على مقارعة صناع اللعب الإسبان، وهو ما أثبته بالفعل على أرض الملعب.
ونونو مينديش، ظهير باريس سان جيرمان، يُشكّل ورقة ضغط مزدوجة: تحجيم لامين جمال على الجانب الأيمن الإسباني، والانطلاق هجومياً حين تتاح الفرصة. في النهائي الأوروبي، تعرض لضغط متواصل لكنه وجد الطاقة الكافية لإرباك حسابات إسبانيا. يوم الاثنين، ستُعاد المهمة ذاتها.
رونالدو: الوداع المؤجل
ثم هناك رونالدو. حاضر دائماً، متحدٍّ دائماً، يجذب الأنظار حتى حين تتقلص مساحات تحركه. قوته الانفجارية تراجعت، لكنه داخل منطقة الجزاء لا يزال خطيراً بشكل استثنائي، وهو ما أدركته إسبانيا بمرارة حين استغل كرة شاردة ليسجل هدف التعادل 2-2 في النهائي الأوروبي ويدفع المباراة نحو الوقت الإضافي.
حين كان رونالدو يشق طريقه نحو أولى مئاته من الأهداف، كان لامين جمال طفلاً رضيعاً بالكاد. يوم الاثنين، يلتقي الجيلان في مباراة إقصائية قد يدفع فيها أحدهما الآخر نحو بوابة الخروج. أعلنت شقيقة رونالدو أنه سيعتزل اللعب الدولي بعد هذا الكأس، مما يجعل كل مباراة للبرتغال محتملة الأخيرة في مسيرته.
لفريقين دخلا البطولة بين أبرز المرشحين لرفع الكأس، الخروج في دور الـ16 سيكون صدمة مبكرة وقاسية. لكن المنطق يقول إن إسبانيا، بأدائها الأكثر اتساقاً وشبكاتها النظيفة وزخمها المتصاعد، تدخل هذه المعركة بمركز أقوى، وبدافع إضافي اسمه الثأر.




