«الإمارات تحب العراق»: حين يتحوّل التراث إلى جسر بين شعبين

أثر يتجاوز الحجارة والزخارف

ثمة أطروحة واضحة تفرض نفسها على كل من يتأمل مشهد الموصل اليوم وفعاليات دبي هذا الأسبوع: الإمارات لا تكتفي بالتصريح عن أخوّتها مع العراق، بل تُثبتها عبر فعل ملموس يُصان فيه التراث ويُحتفى بالثقافة. المئذنة الحدباء التي استعادت ميلها المميز في سماء الموصل، وفعالية «الإمارات تحب العراق» التي تنطلق نسختها الثانية اليوم السبت في مدينة إكسبو دبي، ليستا حدثَين منفصلَين. إنهما تعبيران عن رؤية واحدة: أن احترام هوية الآخر هو أعمق أشكال الشراكة.

في الموصل، لا تختصر عودة المئذنة مشهدًا معماريًا استعاد ملامحه بعد سنوات من الدمار. إنها عودة علامة ارتبطت بذاكرة المكان، وشاهد على تاريخ عاشه أهل المدينة جيلًا بعد جيل. وفي دبي، تمنح الفعالية هذه الرابطة وجهًا آخر، أقرب إلى الحياة اليومية والتواصل المباشر بين الناس.

المئذنة الحدباء: استعادة الذاكرة الجمعية

يعود تاريخ جامع النوري إلى النصف الثاني من القرن الثاني عشر، فيما شُيّدت مئذنته الحدباء عام 1172. ارتبط اسمها بميلها الذي منحها شكلها المميز، حتى أصبحت واحدة من العلامات البصرية التي يعرف بها أهل الموصل مدينتهم. ثم جاء داعش عام 2017 ليُدمّر هذا المعلم خلال معارك تحرير المدينة، فكانت الخسارة أكبر من الحجارة والزخارف — كانت خسارة حضور راسخ في الوجدان الجمعي.

أظهرت دراسة أجرتها اليونسكو بالتعاون مع جامعة الموصل أن 94% من المشاركين أرادوا إعادة بناء المئذنة كما كانت قبل تدميرها، بما يعكس مكانتها العميقة لدى السكان. هذا الرقم وحده يكشف أن المعلم ليس حجرًا تاريخيًا، بل هو جزء من هوية حية.

استعادة المئذنة تعني الحفاظ على صلة المجتمع بماضيه. تعني إبقاء أحد رموز المدينة حاضرًا في حياة الأجيال الجديدة. وقد حافظت أعمال الترميم على الميل المميز للمئذنة باعتباره جزءًا أصيلًا من هويتها، لا عيبًا يُصحَّح.

الإمارات شريكة في صون التراث العراقي

برز الدور الإماراتي بوضوح من خلال دعم مشروع إعادة إعمار جامع النوري ومئذنته الحدباء، ضمن مبادرة «إحياء روح الموصل» التي أطلقتها اليونسكو عام 2018. تعهّدت الإمارات بتقديم 50.4 مليون دولار لدعم هذا المشروع، يشمل أيضًا ترميم كنيستَي الطاهرة والساعة في الموصل — وهو اتساع في المفهوم يقول الكثير.

لم يكن المشروع مجرد إعادة بناء وفق شكل معماري قديم. تطلّب العمل توثيق ما تبقّى من المعالم، والاستعانة بالخبرات الهندسية والتراثية، واستخدام تقنيات البناء التقليدية مع مراعاة متطلبات السلامة الحديثة. الدعم الإماراتي وفّر العمود الفقري المالي لشراكة دولية أشركت اليونسكو والجهات العراقية والخبرات المحلية معًا.

وعند افتتاح المعالم المُرمَّمة في سبتمبر 2025، أعلنت اليونسكو أن المبادرة أسهمت في توفير أكثر من 7700 فرصة عمل محلية، وتدريب أكثر من 2800 شاب عراقي في مهن الترميم والحرف التراثية. هذه الأرقام تكشف البُعد الإنساني الحقيقي: إعادة الإعمار تفتح أبوابًا للعمل والتدريب، وتنقل الخبرة إلى أجيال جديدة، وتمنح الحرف التقليدية فرصة للاستمرار.

جامع وكنائس: تراث مدينة متعددة المكونات

تتضح الدلالة الثقافية للمشروع أكثر عند النظر إلى المعالم التي شملها. إعادة إعمار جامع النوري وترميم كنيستَي الطاهرة والساعة يضعان في المشهد نفسه شواهد مختلفة على تاريخ الموصل الديني والاجتماعي. الموصل مدينة عُرفت بتنوعها التاريخي، وصون تراثها بمكوناته المتعددة يؤكد أن الحضارة ليست ملكًا لجماعة واحدة.

من هذه الزاوية، يصبح التعاون الإماراتي في إعادة الإعمار إسهامًا في حماية تراث يحمل قيمة محلية وإنسانية في آنٍ واحد. الحفاظ على معالم الموصل لا يخدم سكانها وحدهم، بل يصون جزءًا من التاريخ الحضاري للمنطقة بأسرها.

«الإمارات تحب العراق»: الثقافة حاضرة ومسموعة

في دبي، تمنح فعالية «الإمارات تحب العراق» هذه العلاقة وجهًا حيًّا ومباشرًا. النسخة الثانية من الفعالية، التي تُقام اليوم في مركز دبي للمعارض بمدينة إكسبو دبي، تحتفي بالموروث العراقي عبر الفنون والموسيقى والأدب والأنشطة المجتمعية. تستحضر الفعالية معالم ورموزًا من الذاكرة العراقية: من بوابة عشتار إلى شارع المتنبي ومنارة الملوية.

الثقافة هنا ليست ماضيًا محفوظًا في المتاحف. هي ممارسة حية يحملها الناس معهم، ويضيفون إليها من تجاربهم، وينقلونها إلى محيطهم الجديد. تكريم عراقيين حققوا إسهامات في الطب والأكاديميا والفنون والعمارة والاقتصاد يسلّط الضوء على دورهم الفعلي في المجتمع الإماراتي.

يحمل هذا الاحتفاء دلالة تتجاوز البهجة الثقافية. إنه إقرار بأن الجالية العراقية جزء فاعل من نسيج الإمارات، لا ضيف عابر. وهذا الإقرار، حين يتجسّد في فعالية علنية تجمع أبناء الجالية بمختلف مكونات المجتمع الإماراتي، يُنتج نوعًا من التقارب لا تصنعه البيانات الرسمية.

مساران يلتقيان عند احترام الهوية

تلتقي إعادة إعمار المئذنة الحدباء وفعاليات «الإمارات تحب العراق» عند فكرة تتجاوز اختلاف المكان وطبيعة النشاط. في الموصل، يتمثّل العمل في حماية معالم مادية تحمل ذاكرة المجتمع. في دبي، يتجسّد في إتاحة مساحة للثقافة العراقية كي تكون حاضرة ومسموعة ومرئية.

وفي الحالتَين، يظهر الدور الإماراتي من خلال دعم مبادرات تصون التراث وتعزز التواصل الثقافي. لا يعني ذلك أن المشروعَين متطابقان؛ لكل منهما وظيفته ومنطقه. ما يجمعهما هو الاهتمام بالثقافة بوصفها جزءًا من حياة الناس ووسيلة للتقارب بينهم.

هذه المقاربة تمنح العلاقات الإماراتية العراقية بُعدًا إنسانيًا ملموسًا. الروابط التاريخية والثقافية لا تبقى مجرد عبارات عامة، بل تظهر في معلم يستعيد مكانه في مدينته، وحرفة يتعلمها شاب عراقي، وكتاب يجد قارئًا جديدًا، وأغنية تجمع جمهورًا من خلفيات مختلفة. هذا هو معنى الشراكة الحقيقية.